محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

160

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

لا يدري أين يذهب ؟ ! فقال : نعم [ أنا واحد . فقلت : فأين تنوي ؟ قال : إلى مكة . قلت : تنوي مكّة ولا تدري أين تذهب ؟ قال : نعم ] ، وذلك أني كم مرة أردت أن أذهب إلى مكّة فيردّني إلى « طرسوس » ، وكم مرة أردت أن أذهب إلى « طرسوس » فيردّني إلى « عبادان » ، فنيتي إلى مكّة ولا أدري . قلت : فمن أين المعاش ؟ قال : لا أدري . قلت : أخبرني بأسباب ذلك . قال : من حيث يريد يجيعني مرّة ، ويشبعني مرّة ، ويكرمني مرّة ، ويهينني مرّة ، ومرّة يقول لي : ما على وجه الأرض أزهد منك ، ومرّة يقول لي : أنت لصّ ، ومرة ينوّمني على الفراش ويطعمني الطيب ويدهن رأسي ويكحل عيني ، ومرّة يطردني الطرد العنيف ولا ينوّمني إلّا عند « النواويس » « 1 » . قلت : يرحمك اللّه ، من يفعل ذلك بك ؟ قال : اللّه عزّ وجل . قال : فألقاني في بحر . قلت : فسّر لي يرحمك اللّه ، كيف هذا ؟ قال : أنا رجل أسير نهاري فأينما جنّ الليل بتّ ، فربما يأويني الليل إلى قرية فإذا نظر إليّ أهلها قال بعضهم لبعض : هذا لصّ ، لا تتركوا هذا يأوي الليلة في هذه القرية ، فإذا صليت العشاء الآخرة يدخل المسجد رجل فيقول : يا نائم ، فأقول . لبيك فيقول لي بالعنف : قم من هنا ليس لك هاهنا موضع ! ! فأقول له : حبّا وكرامة فأين أبيت الليلة ؟ فيقول : خارج القرية عند « النواويس » . فأقول : نعم وكرامة ، لا يكون لي مأوى إلّا عند « النواويس » تلك الليلة ، فإذا أصبحت سرت فيأويني الليل إلى قرية فإذا رآني أهلها قال بعضهم لبعض : قد ورد عليكم الليلة رجل زاهد خير فاضل ، فيقول هذا : عندي يبيت ، ويقول هذا : عندي يبيت ، فإذا صليت العشاء الآخرة ، فيقول رجل منهم : قم بنا إلى البيت ، فأقول : نعم حبّا وكرامة . فأمضى معه إلى المنزل ، فيأتيني بالطعام الطّيب ، ويدهن رأسي ويكحل عيني ، ويأتيني بالفراش اللّين فينوّمني عليه ولا يدع شيئا من البرّ إلّا فعله بي حتى أصبح ، فهذا حالي مع سيدي ، فقلت : رحمك اللّه ، متى قدّر لك أن تدخل بغداد فإنّ منزلي في موضع كذا وكذا . قال : فأنا يوما قاعد في منزلي وإذا بإنسان يدقّ الباب فخرجت فإذا أنا بصاحبي ، فسلّمت عليه وأدخلته البيت ، فقلت له : أيّ شيء صنع بك مولاك ؟ قال : آخر ما فعل بي ضربني ضربا شديدا وقال لي : يا لصّ . ثم أراني ظهره فإذا أثر الضرب عليه ، فقلت : وما القصّة ؟ قال : كان أجاعني جوعا شديدا ، فلما بلغت الأنبار جئت إلى « مقثأة » « 2 » قد نبذ منها « المدوّد » و « المرّ » ، فقعدت مقعدا آكل منه ، فنظرني صاحب « المقثأة » فأقبل إليّ

--> ( 1 ) النواويس : ( ج ) ناووس : مقبرة النصارى أو ما كان ينحته الأقدمون في حجر على هيئة صندوق لوضع جثة الميت فيه ، وهو ما يطلق عليه اسم ( تابوت ) ( ج ) نواويس . ( 2 ) المقثأة : موضع القثاء ، يزرع فيه وينبت . والقثاء : نبات عشبي حولي ، ذو ساق زاحفة زراعي من فصيلة القرعيات ، وثماره تشبه الخيار لكنها أطول .